الجاحظ

126

البيان والتبيين ( ط مكتبة الهلال )

وبصر الفرزدق بجرير محرما فقال : واللّه لأفسدن على ابن المراغة حجّه . ثم جاءه مستقبلا له ، فجهره بمشقص « 1 » كان معه ، ثم قال : إنك لاق بالمشاعر من منىّ * فخارا فخبرني بمن أنت فاخر فقال جرير : لبيك اللهم لبيك . ولم يجبه . قال : وأدخل مالك بن أسماء سجن الكوفة ، فجلس إلى رجل من بني مرة ، فاتكأ المريّ عليه يحدثه حتى أكثر وغمه ، ثم قال : هل تدري كم قتلنا منكم في الجاهلية ؟ قال مالك : أما في الجاهلية فلا ، ولكني أعرف من قتلتم منا في الإسلام . قال المري : ومن قتلنا منكم في الإسلام ؟ قال : أنا ، قد قتلتني غما ! قال : ودخل رجل من محارب قيس على عبد اللّه بن يزيد الهلالي ، وهو عامل على أرمينية ، وقد بات في موضع قريب منه غدير فيه ضفادع ، فقال عبد اللّه للمحاربي : ما تركتنا أشياخ محارب ننام في هذه الليلة ، لشدة أصواتها . فقال المحاربي : أصلح اللّه الأمير ، إنها أضلّت برقعا لها ، فهي في بغائه « 2 » . أراد الهلالي قول الأخطل : تنقّ بلا شيء شيوخ محارب * وما خلتها كانت تريش ولا تبري ضفادع في ظلماء ليل تجاوبت * فدلّ عليها صوتها حية البحر وأراد المحاربي قول الشاعر : لكلّ هلاليّ من اللؤم برقع * ولابن هلال برقع وقميص وقال العتبيّ « 3 » : رأين الغواني الشيب لاح بعارضي * فأعرضن عني بالخدود النواضر

--> ( 1 ) مشقص : سهم فيه نصل عريض . جهره : راعه . ( 2 ) البغاء : الطلب . ( 3 ) العتبي ، محمد بن عبد اللّه العتبي البصري ، كان شاعرا ومترسلا ومخبرا ، وقد تغزل بامرأة اسمها عتبة ، كما وصف الخمر . وتوفي سنة 328 ه .